بسم الله الرحمن الرحيم

| 1 التعليقات ]


                        إهداء لصديقي الأستاذ عبدالمجيد الخبراني  بعد لقاء حميم جمعني به في جدة.                                    

                                                             رواية اللقاء..؟!

   وفي تقاطع السبعين والأربعين حيث شارع فلسطين ومطعم أبو زيد..أخذتني اللحظة خلف عامل النظافة الذي لايجيد العربية..لكنه يتقن رد التحية بالإبتسامة الخجولة عوضاً عن غربة تشبثت ببقايا أحلامٍ كأحلام سائق الأجرة الذي مافتئ يذكر جدة..ومكة بغية حفنة مالٍ يروي بها عطش شركته اللعينة كما يقول..وما أن دارت بنا رحى الميناء جنوباً إلا وكنا في الهنداوية حيث "سوق اليمنة" الشهير  والشعبية الجارفة..والسوقية المبعثرة..والعامية الدارجة..والجنسيات المنصهرة,والعمالة الكادحة..
وتبدى صديقي عبدالمجيد..فكانت الرحلة اللقاء..
 كان سائق التكسي الباكستاني قد تنحى عن ذات الطريق يميناً..ذات الطريق الحيوي التجاري..وأصبح ضيقاً حرجاً..حتى ينقذه أحد بصرف المائة الحمراء..فما كان إلا أن أنقذه من أبناء جلدته سريعاً..ومضيت سريعاً وسط ضجيج الأبواق..وكلمات..
"أوردية" فيها السب والسخط وشتى أنواع الهجاء المقذع..
وعند اللقاء كان لغط الباعة،والمشترين,و"القعايد"،وصوت صديقي المجيد عبد المجيد..صوتاً سرى بي نحو
 "صوت نجران المشيب" والخندق..والموفجة..وأصدقاء السمر..السيران..ليالي روميش.والوادي..والضباب,وإن أوغلت السبر في الأغوال فسأردد مع فنان العرب:
خايف أجرحك بالظنون وخايف
من سبَة الغيرة أنا خاااااااااااااايف
والتقينا بصوت فنان العرب"محمد عبده"..بائع بزٍ وقماش رأى في فنان العرب وطناً تطوف به أرواح العاشقين..
وأخذتنا الخطوات سريعاً بين تلك الأزقة والدهاليز..وكانت السنبوسة,ولقيمات "الزلابية"وشيخٌ كان يرتاده منذ إن كان صغيراً عبدالمجيد..وسارت بنا البساطة سراً،وجهراً على السنحات..فأستوقفتنا الكثير من الشخصيات والبضائع..
رواية الوقت والإنتظار..فقابلنا"القورو" على الطرقات..والأكلات الشعبية..وذاك العاشق الذي يعتاد المكان لذكرى إنتماءً للمكان..وبائع مسابح تشعر بأنك شوارع كينيا ذات السحر والشعوذة..وأتراز من "الشمة" سريعة تغطى..وشلَة من باعة الفواكهة والحنيذ تجتمع على حصير من فقر كي ترمي بهمومها في لحظة لقمة هنيَة..هناك يستلقي الحرمان على ظهر مسكينة تمد يدها للعابرين فتارةً تجد..وتارةً تذهب..وحراج جعل أحد العمالة يتخذ من برميل "بوية" مقعداً يبث تباريحه نظرات ترصد السائرين..وسارت بنا اللحظات سعيدة في مقهى شعبي يعج بالدخان..والشاي..وقوارير البيبسي الصارخة منذ عهود خلت,وشريط فيديو,وسماعة تلفاز تضخم الصوت فترى الغبار يخرج من خلاله..أحاديث وقصص وبقيت مع صديقي نشكو الفراق..ويتوق صديقي لطالب نجران الشهامة..والنخوة..والإصالة الإنسان،والمكان,النجابة والفصاحة,والبلاغة..
وفي زاوية المكان جلسنا نتجاذب أطراف الحديث..وخرجنا بحثاً عن حقيقة جدة فوجدناها بالأسواق زاخرة..حاضنة للأجناس والعمالة..والمشردين..والجملة والحمام الذي حلق بنا مرتين ولم تستطع كميرا صديقي رصده..في إحدى المقاهي الشعبية المطلة على"جدة التاريخية" كان حديث الصداقة والأدب..والحب..وأستحضرنا صديقنا الحاضر الغائب محمد الكناني،وكعادة الإتصالات السعودية كان نائماً في لحافه الساحلي الوثير..ورد سأتصل بك لاحقاً
وإلى الآن ولم يتصل,أو يرد علينا..كنا قد تناولنا غدائنا في مسرح التاريخ..كان شهياً لولا ملحه الزائد..حينها كان رحمة مقارنة بالمطعم الشهير"شاليمار"..المطعم الذي أسقط الكثير في مجابهته..ذاك المطعم الملتهب الذي بدأ وكأنه مسرحاً تلقى عليه قصائد المادحين..حينها كان ميلاد قصيدة"سأحتضنك يا شاليمار"..فلفلاً,ونكهةً تشعرك بأنك في كراتشي الباكستانية..جنسيات,ولغة أوردية تعم المكان..؟!

 أستوقفتنا جدة الشتاء..وطلال حمزة وجدة ياناس والله غير..بين الأزقة والناس والبضائع,وسوق الميناء..وباب مكة وأحاديث المجانين الذين ألقتهم الدنيا كأشباح يعترضون السائرين..يستلقون على ظهورهم تارةً,ويتماطون في أخرى,ولعل عجزهم جعله يتحرشون بالناس لساناً يلهج بالعبارات..ياولد..ياولد..وقف ,وقف,وسيل الدعوات لك أم عليك..لاتعيرها أهتماماً فإمَا أن تكون مغدقاً عليهم,وإلا فدعهم فهم خيال مهوس كره الإنسان,فهاجر للمكان عله يسمع له ولا يقاطعه,وإن حدثه من شروق الشمس حتى غروبها..وهناك تشاهد "العتالين" يحملون البضائع كثيرة الثقيلة ما تنوء بها العصبة..يكدحون ولا يتعبون..وهناك بالجوار ضريرة مسنة حسناء ذات سنحة جميلة تمد يدها علها تجد من يمسك بها لينقذها,ويحن عليها..هكذا هي ما أن تحس يد تلامس كفها حتى تنهال الدعوات كالرحمات..والدمعات العاشقة..
كنت أختلس النظرات فأرى صديقي عبدالمجيد..
يقتنص الذكريات والجمال فيرسل حزنه تباريح وقصائد..يرسل قلبه الكبير تذكرة عبور لكل اللحظات..في إثناء السالفة..تسمع صوت خافت..متخم بالذكريات الراحلة..ياقهوجي..ياقهوجي..ياقهوجي..فماكان مني إلا أن صحت ياقهوجي..بنبرة الزير سالم حين يلوح له أخاه كليباً فألتفت طيب ياعمي..طيب ياعمي..!!
فقابلنا ذاك الهرم بإبتسامة رضا ولم يعقَب..
كان الخطا بطيئة علها تبحث في الوجوه عن سر الجمال والطيبة,والحب..
فكان ماكان من رشفات للمزاج في ضيافة ذاك البراد الأصفر..نعم كان الحديث شيقاً,وهو يهاجر بنا ذاك الباكستاني لرواية"فورمان علي" الذي أنقذ الكثير في سيل جدة فكان ثمن التضحية الموت..وعطاء ملك لأسرته بأكملها..قبل أن يكرر مراراً,وتكراراً بأنه لايريد الذهاب لمكة خشية من كسب مال بغير وجه حق..فالناس هناك ضيوف الرحمن..والبقاء في جدة أهون عليه من مكة البلد الحرام ,وأخذتنا الذاكرة لمدرستنا ثانيةً حين تغنينا بمكة سوياً..هناك في التاني متوسط"ب" أنشودة زمان,ومكان..وحينها لمحت دمعة صديقي المكاوي..البياض والطهر,وضيوف الرحمن..ضجيجاً,وباصات وأبواق.وطائرات,ومزيجاً من جنسيات ملبية,تستشرف تاريخنا إلإسلامي العظيم سنوات عمره التليد..نعم يا عبدالمجيد
أحسنت فزد..منظر رهيب مهيب,وحدث جلل,وكعبة زاهية,في خفاجيات شاعرنا العذب إبراهيم خفاجي وكأنه يصف الحدث..

ياكعبة موطني الأمثل
جميلة وبسمتك أجمل
وكم من عاشق يمهل
يقبل ثوبك المخمل
وكم واقف على بابك
ومتعلق  باعتابك
يناجي الله في رحابك
يزاحم فيك أحبابك
طهارة إنسان,وقدسية مكان,تسبيح وحمد,وتلبية روحانية,قرآن عظيم,ومعلمنا القدوة عليه الصلاة والسلام..
وفي جنبيك زمم والحطيم..
إليك من البياض أتت ألوف
أقاموا في ربوعك وأستقاموا
وحينها سرقنا الوقت سريعاً..بحثاً عن علاج  لشيخ مسن لم تعد قدماه تقوى على الوقوف فبثها تباريحه عصا
يهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى..رواية تولد في رحم رواية أخرى,وقضيانا قرابة الساعتين بحثاً حتى وجدناه في سوق صغير إنها رحلة العلاج والشفاء بإذن الله تعالى..
رواية اللقاء بعد صفو الهوى وطيب الوفاق
وفراق أشبه بالنفي في تابوت الفناء..وشخصيات عديدة مررنا بها فمنها من قبضنا عليها,ومنها شاردة,ومنها من محت الذاكرة بعضاً من ملامحها..ولكنها كلها تهرب سريعاً,وتعود رويداً رويداً..
 كلما أوقدت حزمات الحطب ليلاً فتجتمع حول موقد النار هرباً من برد الشتاء إنها غابة الهرب يا صديقي..قد لا تراها إلا إنك تسمع أنينها وأنفاسها وزفراتها وتشاجراتها وغضبها وسكنها..

وهكذا توادعنا بالأحضان للقاء قريب يجمعنا..على ضفاف حب وجمال وخيال
فتوجه أخي الذي لم تلده أمي لمكة..
وتوجهت لشارع فلسطين قبل أن أحزم حقائبي متوجهاً للجنوب بها دمعي وأشجاني
متوجهآ لأبها على متن الخطوط السعوية الرحلة رقم662 وحتى الوصول لنجران الحب والأثر..

                                         
                                                                                                        دمتم بود وحبور أحبتي..............


التعليقات : 1

غير معرف

رواية اللقاء

كانت ولا زالت تدور أحداثها في مخيلتي..
حروف أعادتني إلى ذلك اللقاء حيث جدة التاريخ والأثر.

وبدت لي ما خفي منها صورة تلك العجوز فائقة الجمال التي رمى بها الحال لذلك المئآل في صورة رغم حزن حالها إلا أنها تستعير للجمال جمالا..

مواقف مرّت في روايتك وبينها ثمة إبداع التقليد للأصوات منك يسافر معه سامعه إلى حيث حطّت الكلمة جناحيها(ما شاء الله)

والنكتة لم تغب , والبسمة طابع اللقاء من الصباح للمساء...

تأملات ووقفات حول الأثر الجدّاوي , والتقاطات صور للذكرى لذكرى تبقى...


أبدعت في الوصف وأجدت وأحسنت..
لله درك ودر حرفك الجميل ولك الشكر الجزيل.

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي تعليق ان يكون في حدود الادب والذوق العام، حوله .
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.

المشاركات الشائعة